Saturday, December 29, 2007

هدوء القتلة









فصل من رواية هدوء القتلة


للروائي طارق امام


حصريا





مع أول خيوط الفجر ، خرجت سوسن إلى بلكونتها ، كما تفعل يومياً .. وبدأت تنشر كمية ضخمة من "الغسيل " على حبالها .. هي ملابس زوجها المتوفى وأبنائها الذين لم تنجبهم . تقف متأنقة ، بكبرياء شائخ ، في تنورات قصيرة تلائم آنسة في بدايات قرنٍ مضى .. غير أنها غائبة على الدوام كأنها استيقظت ذات صباح لتكتشفَ أنها تعيش بدلاً من شخصٍ آخر . ورغم أن خصلات شعرها الأبيض كانت تتطاير مع هواء الصباح الخفيف كعلامات رعب .. إلا أنني أكتشفتُ أن لها عينين جميلتين ، شابتين ، وأن جسدها خفيف حتى أنها لو قررت في المستقبل أن تقفز من البلكونة لتموت ، لن تتألم .
بدأت أُدخن سيجارة ، كما هي عادتي ، مستنداً بنصف جسدي على حافة البلكونة .. بينما انهمكت هي في عملها اليومي دون أن توجه لي نظرة . منذ جئت إلى هُنا ، صارت سوسن هي شريكة صباحاتي الأشد سرية وغموضاً : كنت أتأمل وجهها كلَّ صباح كأنني أودِّعه .. وكأن المرأة التي أفسدت عليَّ وحدتي ، وشاركتني فيها دون استئذان .. والتي تُخلِّص غرفها مع كل طلعة شمس من الملابس ليست سوى أخت منحتني حق جيرتها وحرمتني - رغم ذلك - حق أن تموتَ بين يدي.
يومياً ، وبعد خروجي إلى بلكونة شقتي المرتجلة بدقائق ، ألمح الشيش ذي الضلفتين ينفتح . تدلف سوسن إلى البلكونة فجأة كأن يداً بالداخل قد قذفت بها عنوة لتواجه الضوء. لم تنظر إلىَّ أبداً طيلة ثلاثة أشهر ، كأنني لم أوجد . كأن ضيفاً جديداً لم يعد يراقب يديها . ربما هذا هو أكثر ما استفزني في تلك الجارة . يؤلمني جداً أن يُطلعني شخص على حقيقة أن وجودي شيءٌ هامشي .. حتى لو لم يقصد. لو غادرتُ هذه الشقة الآن ، وللأبد ، لن يتغير شيء في العالم .. مثلما لم يتغير شيء عندما جئت. لن تشعر امرأة تسعينية أن شخصاً يعرفها لم يعد هُنا.
ها هو صوتُ همهمتها الخفيضة يصلني دون أن أميز حرفاً .. أفشل دائماً في التقاط أية كلمات من هذه الشيخة .. وحتى عندما تصرخ في بعض الأحيان بسباب متداخل غضباً على الطيور التي تركت مخلفاتها على ملابسها .. يصلني الصوت فقط . عندما تنتهي من صف الملابس على حبالها كانت تنسحب فجأة أيضاً . لا تستدير.. بل تتحرك للوراء ، في خط مستقيم ، كأن نفس اليد التي قفذت بها تجرجرها للداخل . لا تعود المرأة للظهور بقية اليوم . لا أعرف لماذا ينتابني خوف غريب بينما أتطلع للملابس المجعدة التي تهتز أمامي ، بتؤدة. تتحرك أكمامُها بوهن كأطراف عاجزة كنت أشعر أنها أشباح تحرس وحدتها.
اليوم سبَقَتني إلى البلكونة ، مما سبب لي إحباطاً غير مبرر . كانت تقف - لأول مرة - في عباءةٍ بيتية واسعة ، زرقاء ، اختفى فيها جسدُها كأنه هواء . راحت تنشر لأول مرة ملابسها : عشرات الفساتين ذات تصميم واحد تقريباً لكن بألوان مختلفة . بالأنامل التي تجيد عملها ، بدأت تعرض تنورات ماضيها أمام لا أحد . وفكرتُ : ربما صدَّقَت اليوم فقط أنها امرأة وحيدة .. ولم ألحظ - إلا بعد انصرافها - وجود " مشبك غسيل " خشبي على أرضية بلكونتي ، ثُبِّتت فيه قصاصة ورق مصفرة ، حائلة .
،
الخطاب الغرامي ، مُذيَّل بتاريخ بعيد : 12/8/1947 . بالضبط منذ ستين عاماً, مكتوب بخط رقعة جميل ، بحبر أزرق صار حائلاً الآن وأقل دكنة . كانت الكوليرا. الحبيب يكرر عبارة : " لو كنتِ لا تزالين على قيد الحياة ". يخاطب امرأة ميتة في الغالب . يسألها عن أخبار الإسكندرية . المرأة سكندرية إذن. تنورة ساحلية تحيا بداخلها العظام . يتحدث أيضاً عن حرب وشيكة . هل كان ضابطاً؟ .. دائماً تفرد المرأة على حبالها بذلة ضابط قديمة الطراز ، وبالية . ربما تزوجها حبيبها ذلك نفسه فيما بعد رغم أن ذلك سيفسد الحكاية فضلاً عن كونه سيفقدها شاعريتها . المثير أن يكون حبيبها قد قُتل في الحرب ، أو قضت عليه الكوليرا .. فتزوجت الآنسة أول شخص طرق بابها .. وظلت محتفظة ببذلة حبيبها - التي أوصى بأن تذهب لها- في ركن معتم بدولابها . تخرجها حين تصير وحدها وتتشممها وتبكي . في المساء تنام مع زوجها بإخلاص ، مغمضة عينيها على رجلٍ آخر . وبعد وفاة الزوج .. تخرج البذلة أخيراً للنور لتعلن أمام العالم الصامت الذي لم يعد يراها أنها عاشت أسيرة شخصٍ واحد.
،
في المساء ، رحت أقرأ الرسالة مرة أخرى .. قبل أن يحين موعد لقائي اليومي بجارتي عند الفجر .. والذي حدَّست أنه سيكون هذه المرة مختلفاً .. وفي الحقيقة فقد كنت مرعوباً .. ولم أكن أدري ماذا سأفعل معها هذه المرة ، ومذا ستفعل هي . هل ستنظر في عيني ؟ .. هل سنتبادل حديثاً مقتضباً .. أم ستتجاهلني مثل كل مرة ، مكتفية بتطيير رسالة جديدة إلىًّ ؟ . استوقفتني عبارة بعينها ، ووجدتني مأخوذاً بالرعب : " قراءة شخص سوانا لهذا الخطاب تعني موتك وموتي ". كيف مرَّت عليَّ هذه العبارة في الصباح ؟َ! وفكرت : هل تدعوني المرأةُ الوحيدة لقتلها؟! .. كيف عَرِفَت أن لي يداً تسير في طريق الدم ؟..
لم تظهر سوسن في الفجر . حين خرجتُ للبلكونة مرتبكاً وجدت بذلة الضابط نائمةً على حافة البلكونة . أكمامُها تترنح في الهواء الخفيف .يبدو أنها قذفت بها في المساء و قررت ألا تخرج . أصابني إحباط : طالما تمنيت أن أرى سوسن في العتمة . لكن .. ربما لو كنت ظللت طيلة الليل في البلكونة ما خَرجَت .عيناها تعملان من خلف الشيش . لم تفعل ذلك إلا عندما تأكدت من عدم وجودي .ربما خشيت سوسن المواجهة الأولى ، مثلي .
البذلة على مقاسي تقريباً . يبدو أنه كان على نفس الدرجة من نحافتي ، غير أن قامته كانت أقصر بسنتيمترات قليلة .الأكمام لا تغطي رسغيَّ .. و كذلك البنطلون قصير بعض الشيء . تأملتُ نفسي أمام المرآة . انتفض جسدي ، و شعرتُ بأنفاسي تنسحب منِّي .وضعت يديَّ بشكل تلقائي في جيبي البذلة ، لألامس جسداً معدنياً دقيقا ، وورقة . مفتاح صغير و خطاب مقتضب : لن أغادرَ الشقة إلا إذا أتيت .
خرجتُ من جديد للبلكونة .المشهد أمامي رمادي . فتيات صرن الآن سيدات شائخات يمشين مشبوكي الأيدي مع شباب مفتولين ، شعورهم لامعة مغسولة بالصابون . الشارع مبلط تعبره سيارات كُتب على لافتاتها " خصوصي مصر " . أمعنتُ النظر أمامي . عينا سوسن ليستا خلف الشيش .. أو هكذا يبو لي .
بملابس الضابط قطعتُ السلالم باتجاه شقتها . فتحتُ الباب بسرعة . دار المفتاح أكثر من ثلاث دورات في " العُقب " . لقد أغَلقَت المرأة الوحيدة الباب من الداخل . كما توقعت ، كانت شقة من زمن آخر . غارقة في العتمة كأن ذلك الذي بالخارج ليس الصباح . طراز الأثاث عتيق ، و رائحة ثقيلة تغمر المكان . لم أتخيل أن يكون سقفُها عالياً لهذه الدرجة ، بعيد و عامر بالثريات في كل الغرف .أعملتُ يدي في كل مفاتيح النور و لم تعمل . المرأة كانت تحيا في العتمة.
جسدُها كان ممدداً على سريرها العالي ذي الأعمدة ، في الغرفة التي تطل على بلكونتي بالذات . حاولت أن أوقظها ، بنحنحة في البداية ، ثم بكلمة يا مدام ولكنها لم تستجب . بدأتُ أهز جسدها برفق.. ثم بعنف . جسدها أزرق و مثلج . عيناها مفتوحتان على اتساعهما . جسدها متيبس .اختارتني سوسن لأخبر الناس بموتها قبل أن تتعفن في الظلام . ربما انتَحَرَت . ربما مات حبيبها القديم اليوم بالذات .. تحقق وعده بميتة متزامنة لكليهما . لم أجرب قبل ذلك أن أقتل جثماناً .
أي لون سيكون عليه دمُ امرأة ميتة إذا تجولت مطواة ٌفي جسدها ؟ .




قريبا من دار ميريت

Monday, December 17, 2007

كلما مررت من هناك .. شعرت بالخطر

كلما مررت من هناك.. شعرت بالخطر

إبراهيم داود


جيرانى الطيبون الكثار
الذين التقيهم
وأنا على وشك الرحيل
يقولون لى:
لم نسمع لك صوتا
وأنت بيننا
ولم نشعر يوما
بأنك غريب
ويطلبون من الله
أن يطمئن قلبى

1

كان قُفل أكبر من محتويات الغرفة
وطفل يصرخ طوال الوقت
فى مكان ما
وألم فى الكُلى
واحتقان فى الحلق
وكان الشتاء امرأة سمينة
ثرثارة
معك فى مكان ضيق
..........
كنت أريد أن أمشى عاريا
فى مكان

2

فى الأدوار الأرضية
يمشى الناس فى رأسك
وأنت نائم
ويكون الزمن عجوزا
يسكن معك
يقاسمك الرطوبة
ويسبقك إلى الشارع
قبل أن تغسل وجهك
فى الأدوار الأرضية
تطل عليك وأنت بمفردك
أشجار هزيلة
تطالبك بأن تتعامل مع الوحدة
برفق

تسع سنوات
كنت أخلط ثلاثة أنواع من الشاى
لكى أتأكد من وجود الطعم
واللون والرائحة

تسع سنوات
لم أفتح شباكا واحداً
فى جدار
ولم تدخل الشمس
من فرجة الباب
...
أصدقائى..
لم يشعروا بوجودى
ولكنهم شاهدوا الموسيقى
تسيل على الحائط
وشاهدوا البخار يخرج من عيني
وأنا أهتف
ضد الخراب الذى كنس الشارع
..
تسع سنوات
فى غرفتين
بعيدتين
بينهما
تمر سيارات.. مسرعة

3

كانت الشرفة المقابلة
مغلقة طوال الشتاء
وكانت الشمس قريبة من شرفتى
ذات خريف
سمعت غناء غريبا
رج البناية المقابلة
وشاهدت الصيف
يفرد جسده الشاسع
فى شارعنا الضيق
...
كلما مررت من هناك
شعرت بالخطر

4

كنت أصعد ستة أدوار ونصف
لافرد جسدى
تحت سقف
ترى السماء من خلاله
..
موسيقى ونحات هناك
يحرسان الليل بالقناديل
كنت أقطف الشعر
على ملامح العابرين
بين الغرف
فى الصباح
فى الصباحات التى كانت الوحدة فيها
ضرورية..
وكان الإيقاع عائقا..
أمام الغناء

5

الملاك الجدد
يتصرفون عادة
كالقادة
القادة الذين لم يدخلوا معركة
فى حياتهم
يختبرون قدرتك على الاصغاء
ويطالبونك بالحفاظ على صوتك
وحين يذهبون إلى البحر
تظهر مودتهم تجاهك

6

المودة لا قيمة لها
فى الرحلات القصيرة
لأن القطارات تغيرت
هى الأخرى تغيرت
تأخذ الناس إلى حيث لا يريدون
والإيقاع الذى كان يمسد أرواحهم
كى يناموا
اختفى
وظهر جيران كثيرون
فى السفر
ينتظرون نزولك
فى المحطة التالية
استقبلت العام الجديد
هناك
فى المكان الذى ابتكرنى الله فيه
المكان الذى هجر
منذ ثلاثين عاما
وخُمِّر النومُ فيه
الواطئ
الذى لم يعد يشبه البيت
البيت الذى كنت أكبر فيه
وأعرفه جيدا:
خمس غرف
وسلم غدر بى ثلاث مرات
ورائحة طعام
وأحزان تسند الجدران
وأصوات بعيدة
...
النوم صعب بعد ثلاثين عاما
النوم سلطان.. هناك

...................................
تصميم لوحة القصيدة .. الفنان احمد مراد
قصيدة شتوية لابراهيم داود
حصرية للمدونة واول مرة تنشر اليكترونيا
تحياتي للشاعر الكبير ابراهيم داود

Friday, December 07, 2007

الشتا ابن ناس



الشتاء رجل ابن ناس .. يسير مرتديا بلطو ..
رافعا قبعته منحينا أمام امرأة جميلة ..
واضعا سماعة ام بي ثيري بلير بأذنه ليسمع فيروز ..
و ينظر للعالم بدهشة ...
امرأته امرأة شفافة .. مثل امرأة السماء ..
لم تلمسها يد بعد الله ..
يسير الشتاء بجوار رصيف يتكأ عليه سور قديم ..
ينظر تارة للسماء وتارة يغمض عينيه
ويغني بصوت رخيم وعينه تدمع شجنا ..
وإذا قرر الشتاء أن يعتلي الأرض ليركب
فليكن بجوار شباك مفتوح زجاجه مكسور ليتنسم هوائه
.. لا يعرف من بجواره ..
ساندا رأسه علي كتفه يتذكر آخر مرة رأي فيها
فتاته الأولي قبل أن تغادره كمحطة ترام ..
..........................
الصورة من رسومات ايمن المالكي
....